عمر فروخ
63
تاريخ الأدب العربي
ومع أن الذين نقدوا الفنون المختلفة ( من النثر والشعر والفلسفة ) كانوا كثيرين ، فإنّ النقد عندهم كان فطريّا لفظيّا . إنه كان أحكاما مفردة لا ترجع إلى منهج مقنّن ولا إلى قواعد محكمة ، ولكن كان فيه أحيانا عصبية أندلسية ولّدتها في نفوس هؤلاء الناقدين نفور على أولئك الذين كانوا يغرقون في الإعجاب بالأدب المشرقيّ وبالأدباء المشارقة . ويبدو لنا أن ابن بسّام الشنترينيّ قد ألّف كتابه الواسع القيّم « الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة » لمقاومة تلك النزعة المتطرفة في الإعجاب بالأدب المشرقي . وفي مقدمة « الذخيرة » زفرة من أثر هذه النزعة . يقول ابن بسّام مثلا ( الذخيرة 1 : 12 ) : « . . . . إن أهل هذا الأفق ( أي أهل الأندلس ) أبوا إلّا متابعة أهل المشرق ، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتادة « 1 » ، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب أو طنّ بأقصى الشام والعراق ذباب ، لجثوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما « 2 » . ( هذا ) وأخبارهم ( أي أخبار أهل الأندلس ) الباهرة وأشعارهم السائرة مرمى القصيّة ومناخ الرذية « 3 » ، لا يعمر بها جنان ولا خلد « 4 » ، ولا يصرّف فيها لسان ولا يد . فغاظني منهم ذلك وأنفت ممّا هنالك . وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري وتتبّع محاسن أهل بلدي وعصري . . . . وقد مجّت الأسماع « يا دار ميّة بالعلياء والسند » ، وملّت الطباع « لخولة أطلال ببرقة ثهمد . . . . » « 5 » .
--> ( 1 ) قتادة بن دعامة ( بكسر الدال ) البصري ( 61 - 118 ه ) مفسّر للقرآن وحافظ للحديث . ( 2 ) جثا : اعتمد على ركبتيه . كتاب محكم : لا خطأ فيه . ( 3 ) في القاموس المحيط ( 4 : 378 ) : القصيّة الناقة الكريمة النجيبة المبعدة ( بالبناء للمجهول ) عن الاستعمال . والرذلة ( بفتح فسكون ) ضدّها . والرذيّة : الناقة المريضة أو الضعيفة . مرمى القصيّة ومناخ ( مسكن ، منزل ) الرذيّة ( لا تنتشر أخبارهم وأشعارهم كالناقة القصيّة التي يضنّ أهلها بها عن السفر عليها وكالناقة الرذيّة التي لا تستطيع السفر ) . ( 4 ) لا يعمر بها جنان ( بالفتح : قلب ) ولا خلد ( بفتح ففتح : البال ، الذاكرة ) - لا يحبّها أحد ولا يحفظها أحد . ( 5 ) مجّ : قذف ( الماء ) من فمه ، كره ( الشيء ) . « يا دار ميّة » مطلع معلّقة النابغة الذبياني . و « لخولة أطلال » مطلع معلّقة طرفة بن العبد .